هل يمكن دراسة القرآن منفصلاً عن الواقع وسياق الخطاب

اسم المؤلف : سامر إسلامبولي

تم الأضافه : 22-09-2016 الساعه 12:34 PM

هل يمكن دراسة القرآن منفصلاً عن الواقع وسياق الخطاب

  لقد انتشر في الآونة الأخيرة فكرة دراسة القرآن دون الرجوع أو الاستعانة بأي شيء، من منطلق أن القرآن هو مفاهيم فقط،  وبالتالي فعملية فهمه ودراسته كامنة في داخله غير محتاج لشيء من خارجه ، فيكفي للإنسان أن يدرس النص القرآني من خلال تتبع موضوعه في القرآن كله ، وكذلك دلالة المفردة القرآنية، يكفي أن تتبع استخدامها في النصوص القرآنية لتصل إلى المقصد منها ، وهذا يعني أن الإنسان يستطيع أن يأخذ النص القرآني، ويصعد به إلى قمة جبل ويقعد وحده ليدرسه دون الاستعانة بأي أمر خارج النص سوى مخبر كيميائي وعلم فيزيائي،  وبناء على هذا الفهم القاصر، والانعزال، وفصل الخطاب عن محله من الواقع، وتغييب وظيفة القرءان الأساسية المتعلقة بهداية الناس والمتقين منهم خاصة،  وصل بعضهم إلى مفاهيم مغلوطة نحو :

  1-{... أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ... }المائدة6

   قال : الغائط مكان يقصده الإنسان لقضاء الحاجة ( البراز )، أما خروج البول أو الغازات، فهي عملية لا تحتاج إلى أن يذهب الإنسان إلى الغائط ، وبالتالي فخروج  البول أو الريح من الدبر سواء عن عمد، أم غير عمد، لا يُنقض الوضوء، ولو حصل ذلك أثناء أداء الصلاة !.

   وأضاف أحدهم بناءً على المقولة السابقة أن خروج المذي أيضاً لا ينقض الوضوء . كونه لا يحتاج إلى الخروج إلى الغائط والعودة منه !.

   بينما ذهب آخر إلى منحى جديد في فهم النص فقال : بما أن القرآن صالح لكل زمان ، ونزل خطاباً للناس جميعاً فهو غير مُقيد بفهم المجتمعات السابقة، وإنما مقيد بدلالة اللسان العربي كمفاهيم فقط، ومفهوم كلمة (الغائط) تدل على المكان المنخفض المستور ، والمجيء من هذا المكان دلالة على رجوع الإنسان إلى بيته من عمله بعد بذل الجهد والتعب الذي ترتب عليه خروج العرق من جسمه، والتصاق الغبار والأوساخ بملابسه مثل عمل الفلاحة وما شابه ذلك، فهذا الإنسان ومن كان على شاكلته، يجب عليه الوضوء من باب النظافة وإزالة الأوساخ والغبار وأثر التعرق !. وبالتالي، لا علاقة لطرح الفضلات من الإنسان لأنه لا يذهب إلى الغائط لقضاء الحاجة .

  2- {... وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ ...}المائدة6

  قال أحدهم : إن دلالة كلمة ( جنب ) تدل على وجود الشيء بقربنا إلى درجة الاتصال مع تركه وعدم الالتفات إليه. ومن ذلك قوله تعالى: {... فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ }الحج30) ، بمعنى اتركوه جانباً ولا تلتفتوا إليه،  ومنه {... وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ... }النساء36 ، وهو الذي يسكن في دار ملتصقاً بدارك .

فيكون النص المعني بالدراسة يدل على الإنسان الذي أدار جنبه إلى الحق إعراضاً وتكبراً فطلب الله U من هذا الإنسان الجنب، أن يُطهر نفسيته من الكبر والإعراض ويرجع مُقبلاً إلى الحق، ويتوضأ لأداء الصلاة . وكذلك دلالة قوله تعالى: {... وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ ...}النساء43  ، فدلالتها بناء على ما سبق تكون وجوب غسل الجسم لهذا الإنسان الذي أعرض وتكبر على الحق ، فالطهارة الأولى للنفس ، والغسل للجسم حتى يصير انسجام بين طهارة النفس، والجسم ، والرجوع إلى الحق طاهراً . ظاهراً وباطناً !.

  وبالتالي فعملية خروج المني من الرجل عمداً أو احتلاماً لا تحتاج إلى غسل ، ومن باب أولى لا تحتاج إلى وضوء . أما قوله تعالى: {... أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء ...}النساء43، فهي لا تدل على عملية العلاقة الحميمية مع النساء ،  مما يعني أن دلالة ( لامستم ) تدل على الإنسان الذي يتعمد التحرش بالنساء في الحياة الاجتماعية، ويَقصد مزاحمتهم في أماكن تجمعهم حتى يلامسهم، فهذا الإنسان إذا أراد الصلاة(الاجتماعية) فعليه أن يتوضأ ليطهر نفسه وجسمه مما ارتكب من إثم . وهؤلاء جميعاً إذا لم يجدوا ماءً فليتيمموا صعيداً طيباً !.

   لذا؛ قالوا: ينبغي إزالة مصطلح الحدث الأصغر والأكبر من الفقه الإسلامي، لأن الصلاة(الاجتماعية) لا تحتاج إلاّ إلى الوضوء فقط {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }المائدة6 ، ولا ينقض الوضوء شيئاً سوى الكفر والمعاصي فهما يحتاجان إلى عملية الغسل .

 أما التبول والتبرز، وخروج المذي، والغازات، والاحتلام والجماع والنوم فليس من نواقض الوضوء لأن لاوجود لصلاة تعبدية أصلاً !، هكذا زعموا!.

  3- قال أحدهم في تفسير دلالة قوله تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }النساء3  ،إن ذكر كلمة : مثنى وثلاث ورباع تدل على استمرار وزيادة في العدد إلى آخره،  وبالتالي لا يوجد تحديد لعملية تعداد الزواج، فالأمر على الإباحة المفتوحة حسب ما يشاء الرجل!.

وقال آخر : إن كلمات النص كلها مفاهيم وبالتالي لايوجد تعدد في النكاح من النساء قط، ودلالة مثنى وثلاث ورباع هي متعلقة بتزويج المتأخرين( يتامى وغيرهم) على دفعات .

  4- وقال آخر : إن المحرمات في النكاح هن المذكورات في النص القرآني عيناً، وكل ما لم يذكر في النص فحكمه الإباحة . ونظر في نص التحريم فلم يجد ذكر تحريم نكاح خالة الزوجة أو عمتها جمعاً مع المرأة . فقال : بإباحة أن يجمع الرجل البنت وخالتها وعمتها في النكاح بوقت واحد . أي يمكن للإنسان أن يذهب خاطباً إلى أسرة، فيطلب للزواج منها؛ البنت، وخالتها، وعمتها، في وقت واحد !.

فقال أحدهم : بناء على ذلك لا أجد ذكر تحريم جدتي من طرف أبي أو أمي ، كما أني لا أجد ذكر تحريم بنت ابن أو ابنة أخي .....!، كما أني لا أجد تحريم بنت ابني أو ابنتي !، وكذلك لا أجد ذكر تحريم جدة زوجتي من طرف أبويها !.

وقال غيره إن النص القرءاني لايوجد فيه تشريع أصلا وهذه المذكورات هن مفاهيم متعلقة بالمجتمع وعلاقته بالدولة.

   5- وقال أحدهم : إن الله قد حرم أكل لحم الخنزير في النص، وسكت عن حكم تناول الشحم، أو الدهن، أو العظام مما يدل على الإباحة حسب قاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة إلا النص )، والنص ذكر ( لحم الخنزير )!، وبالتالي نستطيع أن نربي الخنازير من أجل دهونها وشحومها وعظامها، ونرمي لحمها للكلاب !.

وقال غيره إن الخنزير ليس اسم لحيوان وإنما مفهوم ويقصد به أي لحم تخنزر، بمعنى خبث وفسد أو صار قاسياً نتيجة كبر سنه أو تيبسي خلاياه.

   6- وذكر أحدهم : إن حكم تناول السباع مثل الضباع والكلاب والقطط والأفاعي والنسور والصقور والعقاب ....، وأي حيوان آكل للحوم مباح أكله حسب القاعدة  (الأصل في الأشياء الإباحة إلا النص)، ولا يوجد نص ذكر تحريم هؤلاء الحيوانات اللاحمة .

   7- وقال آخر: إن الصلاة في القرآن هي عبارة عن ركعة واحدة مؤلفة من قيام وسجود، وتُؤدى ثلاث مرات فقط، في الفجر، وفي وسط النهار، وعند المغيب .

   8- وقال آخر : لا يوجد صلاة خاصة في يوم الجمعة ، لأن الصلوات موجودة في كل الأيام ، وما يوم الجمعة إلا يوماً مثل غيره ، والتأكيد في القرآن أتى لأن يوم الجمعة هو يوم اجتماع الناس للتجارة، وكان ذلك يحصل قبل صلاة الفجر إلى وقت الضحى وبدء اشتداد الحر، فينشغل الناس عن صلاة الفجر في هذا اليوم،  فنزل القرآن يحذر من الانشغال عن صلاة الفجر . ولو كان جمع الناس للتجارة يحصل في يوم آخر مثل الخميس مثلاً، لنزلت الآية بصيغة (من يوم الخميس ). لذا؛ لا يوجد صلاة مرتبطة بيوم الجمعة التي يقيمها المسلمون من خطبة وصلاة ركعتين !.

   هذه نماذج للفهم القاصر ، وهي ليست للحصر !. ولكم أن تتخيلوا لو أن هذه الطريقة تم اعتمادها في فهم القرآن كله إلى أين يمكن أن نصل ، وما هو شكل الدين فكراً، وفقهاً الذي سوف نخرج به !.

 

 

 

 

الموقع : http://cutt.us/Z5C9

التعليقات

من : دكتور عمادالدين حامد
فى : 2016-09-23 , 07:09 AM

جزاك الله خيرا أستاذ سامر , بارك الله فيكم , أنتظر بشوق المزيد من مقالاتك وتدبرك لكتاب الله .

من : سامر إسلامبولي
فى : 2016-09-23 , 02:18 PM

بارك الله بك

يجب تسجيل الدخول اوﻻ ﻻضافه تعليق